ديوان معجم الحواس الناقصة – عماد فؤاد
يبدأ “مُعْجَمُ الحَواسِّ النَّاقِصَة” من لحظة التّأسيس الأسطوريّة الأولى؛ “المُصادفة” التي جعلتْ “الغابة” تلتهم “جَبلًا”. كأنّه بالأحرى “سِفر تكوين” مكثَّف لـ”العلائق” بين الذَّكر والأنثى، التي تتجاوز الثنائيّات التقليديّة للقوّة والضعف، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا.
صحيح أن “المُعْجَم” الذي يبنيه عماد فؤاد هنا، بـ”الصَّوت” و”الصُّورة” و”الرَّائحة” و”اللَّمس” و”الطَّعْم” و”الألم”، مشدودٌ بين قُطبي الكمال والنُّقصان، المرأة والرّجل، الإيروتيكيّة والصوفيّة، ما قبلَ.. وما بعدَ. لكنّه ليس بسيطًا كما يبدو من الوهلة الأولى، إنّه كون شاسع ومركّب. عالم معقّد تتعدّد أبعاده وتتراكم طبقاته الفلسفيّة والدّينية صفحة بعد صفحة، وقصيدة بعد أخرى. فنبدأ من اللحظة الأولى لخلق العالم، حيث: “في البدءِ كانت المصادفة”. وننتهى أمام: “التابوتان فارغان يا ناس”. كأنّها الحياة تمرُّ سريعة: “هكذا، رخيصةً.. رُخْصَ عاهرةٍ على طريقْ”..
تأبى لغة عماد فؤاد (المشحوذة دائمًا) الاكتفاء بأداء مهمّتها الرئيسية، فتكون “مجرَّد” لغة هدفها “الإيصال” فحسب. لا.. اللّغة هنا مثل شاعِرها؛ طامعة في أكثر من الممكن، في أكثر حتّى ممّا يستطيع الشِّعر أن يستخرجه من اللّغة نفسها، هذه ليست قصائد عن “الحواسِّ النَّاقصة” كما يدَّعي العنوان، بل قصائد كُتبتْ بـ”الحواسِّ النَّاقصة”، ستجد حروفًا لا تُرى.. بل تُلمَسْ. وكلماتٍ لا تُقال.. بل تُشَمّ. وجُمَلًا لا تُنْطَق.. بل “تُسْتطْعم”. وقصائد لا تُقرأ.. بل تخترق اللحم كأسنّة الخناجر.
هذا ليس شِعرًا ينظر إليكَ بعينين خجولتين وهو يبتسم مرحّبًا بكَ، ساحبًا لكَ كُرسيًّا مريحًا لتسترخي تحت أشجار الخيال. لا، خذ حذرك.. له أيضًا فكوكٌ وأنيابٌ ومخالب.. وبمقدوره أن يعضّ وينهش.

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب



