رواية أغنيات جنائزي السرية – نسمة عودة
“رأيت أبي واقفًا أمام بابِ غُرفتي المَفتوح، يُشبهني في طفولتي وأنا ألعبُ “تماثيل إسكندرية”. كان يضعُ كفَّيه على فمه، تمامًا كما كنتُ أفعلُ خشيةَ أن أضحك فأخسر وأخرج من اللعبة. تساءلتُ ما من الممكن أن يُضحكه بالداخل؟ هل يرى أبوَّته القديمةَ على سريري وهو يُعلمني نُطق كلمة “المُطفّفين”، وفشلي الدائم في نُطقها. اتَّجهتُ إليه وقفتُ جواره لأنظر إلى طفولتي العمياء أو رُبما لأرى وجه “دِهيبَة” الضبابيّ، لكنّ طفولتي ضاعت كما ضاعت “دِهيبة”، ولم يكُن بالداخل سوى أمي العارية، وبجوارها “طه” غير مُصدق كيف يُعيد التاريخ نفسه!
“تماثيل إسكندرية.. تماثيل استديو مصر.. التماثيل ما بتتحركش”.
ضحكتُ للأسف، فخسرتُ اللعبة.
في تلك اللحظة ذاب أبي المُتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بليةٍ صغيرةٍ مُلونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة ثم قَفز على درجات السلم، طار للأعلى قليلًا لامس أجراس الأبواب المُغلقة بالطابق الثاني ثم الأول. فتح الجيران أبوابهم، الجيران القدامى نفسهم، لكن بعكازاتٍ وشعر شائب. تتبعته وأصواتهم تتساءل في الخلفية عما يحدث، حاولتُ أن أقبض كفي عليه، أن أحميه من نفسه وأضعه في برطمان زجاجي وأُحكِم الغطاء، لكنه بمجرد أن لمس الأسفلت، ابتلعه الشارع”.

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب



