كتاب امرأة سريعة العطب – واسيني الأعرج
واسيني، هل أنت امرأة في جسد رجل، أم رجل في جسد امرأة؟
قالتها له ذات مرة قارئة في مقتبل العمر، في بيروت، وهي تقدم له باقة ورد، وروايتين ليوقعهما لها: طوق الياسمين وأنثى السراب. ابتسم واسيني كعادته، وقال: لا هذا ولا تلك. أنا واسيني فقط، الذي يحمل في أعماقه صرخات أمه التي لم يسمعها أحد غيره، ونشيج أخته زوليخا التي كلما وضع رأسه على صدرها، كف دمعها من شدة اليتم، وصوت جدته (حنا) الناعم وهي تقص حكايات الجد الأندلسي العظيم. واسيني الذي كان يفتح عينيه على نساء قريته وهن يعانقن الصباح بالشد على الأمل رغم قسوة العيش. الذي عاش في مجتمع عائلي نسائي مكون من الأخوات الثلاث، وبنات الخالات والأعمام، والعمات والخالات، ويستطيع أن يقول اليوم بكل فرح إنه أصغى كثيرا إلى أنينهن الدفين عميقا. واسيني الذي سمع سخريتهن الحادة وبذاءاتهن الجميلة، في الحمامات التركية التي كان يرتادها مع أمه صغيرا، لكن بمخ أكبر منه، وعينين أكثر اتساعا من العادي، أو مما يجب.
هذا واسيني، لا أكثر.
هذا الكتاب هو صوت اللغة وهي تكسر بعنف على صرير السلاسل الثقيلة، قبل أن يكون صوت امرأة بعينها.
أنا امرأة عاشقة. امرأة مرشحة للجنون واليتم الأكيد.
قبل أن تشعلوا النار في، اسمعوني قليلا. أنصتوا إلى هذا الجرح الآتي من ظلمة الأعماق. أعماقكم أيضا. سأظل هنا أمام قدر الكلمات وصمت الحجارة حتى تأخذني عواصف القلب والذاكرة السجينة. نحن لا نكتب إلا لنقول الحرائق التي لم نجد لها حلا إلا وهم الكتابة. لا نكتب إلا لنضع ملمسا حيا على قطرة دم نزفت في عزلتها القاسية، وحده من يحس بها، يراها، يشمها، يلمسها، ويجلس برفقتها في كل عطب يصيبها.
تعالوا… الآن أشرع معكم أبوابي، وأمضي برفقة صمتنا جميعا.

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب



