أيمن العتومروايات عربية

رواية يسمعون حسيسها – أيمن العتوم

خلف الوادي انتشرت أشجار هرمة، إِلّا أنّها ظلّت خضراء على طول عمرها الّذي تجاوز مئات السنين.. وقفتُ أمام شجرة لزّاب عتيقة، وخاطبتُ فيها الراحلين جميعاً، من جدّي إلى جدّتي إِلى عمّتي إلى حمار جارنا إلى كلب صديقي إلى قطّة جارتنا إلى ببّغاء أخي: لقد شهدتكم هذه الشجرة العتيقة. أنتم مضيتم وظلّت هي باقية. أنتم شربتم من ماء الموت، وظلّت هي تسقى من ماء الحياة. أنتم ذبلتم وظلّت هي مخضرّة. أنتم توقّفتم عن العطاء عند حدّ الثواء، وهي ظلّت تعطي كأنّها من النهر نفسه تستمدّ البقاء. أتنم أنبتتّم من جذوركم فسقطتم على جباهكم في حفر التراب، وهي ظلّت تضرب بجذورها في التراب ورؤوس أغصانها في رحب الفضاء. أنتم فانون وهي إلى الآن باقية. وأنا عمّا قريب لاحق بقافلتكم، وستشهد هي أيضاً رحيلي، فلا تبعدوا كثيراً، فإنّ زمن بقائي قصير، ولكنّ زمن وحشتي طويل طويل… وفي كلّ منعرج في هذه الدروب تمدّ الشجرة غصناً من أغصانها لتهمس في أذني: هذه هي الحياة.. هذه هي الحياة..!!

حين تمدّدون جسدي في القبر، تريّثوا قليلاً قبل أن تهيلوا عليه التراب، اقرأوا عليه آيةً أخيرة لتسكن آخر نبضات قلبه، فقلبه لم يحمل إِلّا العشق، ولم يترع إِلّا بالحبّ، ولم يشكُ ولم يضجر. ظلَّ راضيّاً حتّى ثوى في الرضى؛ ثمّ أشيروا إلى جسدي المسجّى وقولوا: هذه هي الحياة.. هذه هي الحياة..!!

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب

للتحميل اضغط هنا

لمناقشة الكتاب فى جروب قهوة 8 غرب اضغط هنا

كتب من نفس القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى