كتاب الرؤية القرآنية (قراءة تحليلية نقدية) – محمد محمود
عندما أكملت لجنة زيد بن ثابت إنجاز مهمتها الجسيمة قدمت لعثمان مصحفا آمَنَ أصحاب الدين الجديد أنه يجمع بين دفتيه كلمات الله النهائية والخاتمة لكل البشرية منذ لحظتها تلك وإلى “يوم الدين” … تحكي المصادر أن عثمان عندما عُرض عليه المصحف وجد فيه شوائب بعض المفارقات النحوية … ونُسب إليه قوله: “لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال: ستعربها بألسنتها …” … إلا أن نظر عثمان تعلق باختلافات أخرى رآها أشد خطرا وهي الاختلافات بين مصحفه والمصاحف الأخرى التي بأيدي الناس فوجه بحرق كل المصاحف والصحف الأخرى علّ ذلك يحقق تلك الرغبة العميقة… بألا تختلف أمة المسلمين الوليدة الفتية اختلاف اليهود والنصارى … ولقد كانت اللحظة الرمزية لاجتماع المسلمين وتوحدهم حول مصحف عثمان … عندما أحرق صحف القرآن التي بأيدي الناس … وكان مصعب بن سعد أحد الذين حضروا تلك اللحظة، وحكى عنها قائلًا: “أدركت الناس متوافرين حين أحرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك وقال لم ينكر ذلك منهم أحد.” … ولقد عبأ عثمان والذين خلفوه سلطة الدولة وجبروتها وقهرها وحشدوا كل ذلك لفرض “المصحف الإمام” وتوحيد قراءة القرآن … لا ريب أن مصعبا بن سعد والجمع المتوافر الذي شهد معه حرق المصحف أحسوا بالخصوصية التاريخية للحظتهم تلك. إلا أنهم لم يعلموا لحظتها، وما كان من الممكن أن يعلموا، أن كتابهم الموحد لن يوحدهم كما كانوا يطمحون ولن يجنبهم شر الاختلاف وتكفيرهم لبعضهم البعض وسفكهم لدماء بعضهم البعض، وأن سيرتهم في قابل تاريخهم لن تختلف عن سيرة سائر أهل الكتاب.

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب



