الروايات العالمية المترجمة

رواية سالينا (المنافي الثلاثة) – لوران غوديه

أول الأمر، ثمّة يوم البدء ذاك، البعيد، حيث بعد انتظار طويل يصل الفارس في النهاية وسط قيظ الصحراء، محافظاً على إيقاع سيره، فلا يتريث ولا يتعجل. ما عاد يفصله عن الجمع سوى نحو مئة متر. يحاول كل واحد تحديد هويته ولكن ما مِن أحدٍ تعرّف على شاراته. لم ير أحد من عشيرة دجيمبا سابقاً حقائب جلدية مماثلة لتلك التي يضعها على حصانه ولا حتى في السوق الكبير لكامنغاسا البعيدة. لا بد أنه آت من مكان أبعد من البقاع المعروفة. معفراً بالتراب، ولقلة حركاته يُظنُّ أنَّ جسده موثق إلى حصانه، ربّما كان محكوماً بالتجوال على هذا النحو منذ أشهر، ماضياً حسب مشيئة ركوبته. كم عمره؟ لا أحد يستطيع تقدير ذلك. يتقدم الرجل. لوهلة، يظنُّ آل دجيمبا أنه سيجتازهم دون أن ينبس بكلمة، دون أن يفعل شيئاً، كما لو أن وجودهم واه لا قيمة له، ولكن ليس هذا ما يفعله. إذ يتوقف على مسافة عشر خطوات من سيسوكو دجيمبا. بوسع الجميع الآن أن يرى بوضوح في جوف ذراعه اليسرى رضيعاً ملفوفاً بأقْمِطَتِهِ تتعالى منه الصرخات. لم يكفّ عن الصراخ. كائن صغير من لحم ودم يبكي، بقوة، دون كلل أو ملل، منذ أيام، منذ أسابيع، منذ أن رحل هذا الرجل الغريب، لهي معجزة حتى أن طول بكائه لم ينهك جسده.

يتواصل صمتُ الفارس. ثمّ على مهل، يمرّر الفارس ساقاً فوق مؤخرة حصانه ويترجل، وهو لا يزال حاملاً الطفل بيده. يتقدّم بضع خطوات إلى أن يصبح في منتصف المسافة بين سيسوكو وركوبته، يضَعُ على الأرض لفافة القماش التي ما زالت تبكي، ثم يمتطي حصانه مجدّداً دون أن ينتظر ما الذي سيحدث، ودون أن ينبس بكلمة – فلربما لو نطقها كانت لغتها غريبة ولن يتمكن أحدٌ من محادثته بها، أو ربما ما من لغة هناك في البقاع التي أتي منها. على مهل، ينطلقُ مُجدّداً عائداً أدراجه، مخلفاً وراءه لأوّل مرّة منذ أيام، أو ربما أسابيع، صرخات الطفل الذي هجره للتو.

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب

للتحميل اضغط هنا

لمناقشة الكتاب فى جروب قهوة 8 غرب اضغط هنا

كتب من نفس القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى